في الآونة الأخيرة، شهدت تركيا وباكور كوردستان-كوردستان تركيا موجة غريبة ومبطنة خفية من الإهانة والإنكار ضدّ الكورد. وقد تصدّر كل من رحمي كوج وأركان باش خلال الأسبوعين الماضيين المشهد الكوردي وأجندتهم الرئيسية بسبب خطاباتهما وتصريحاتهما. ما أثار ردود فعل كوردية غاضبة وعنيفة وحادة للغاية على وسائل التواصل الاجتماعي تجاه المذكورين، ممّا اضطرهما إلى التراجع نوعاً ما ومحاولة تبرير موقفيهما وتوضيح مقاصدهما للكورد.
كانت ردود الفعل الكوردية تجاه الرجلين مناسبًا ومؤاتياً للغاية وفي محلّها. لكن المشكلة لم تكن تكمن فقط في استهداف هذين الشخصين للكورد بشكلٍ أو بآخر، بل كانت تكمن أيضاً في أنّه أثناء إبداء الكورد لردود أفعالهم تجاه هذين الشخصين تمّ تجاهل ونسيان الإهانة الحقيقية للهوية واللغة والمجتمع الكوردي؛ والمتمثّلة بطبيعة الحال في شخص عبد الله أوجلان. قد يقول البعض: “لا تربطوا هذا بعبد الله أوجلان”. لكن الحقيقة هي أن المشكلة ترتبط ارتباطاً مباشرًا بآرائه ونظرياته وطروحاته من كلّ الجوانب.
لنبدأ بموضوع “الشخص الذي لغته الأم هي الكوردية” والذي أثاره “أركان باش”: عندما سُئل أركان باش عمّا إذا كانوا سيتوصلون إلى اتّفاق مع حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Party) في الانتخابات الرئاسية التركية المقبلة، قال: “قد لا نتفق على مرشّح تكون لغته الأم هي الكوردية!”. فما المقصود بمفهوم ومصطلح “لغته الأم الكوردية”؟ مَن عساه أن يكون الشخص الذي لغته الأم هي الكوردية؟ أي الكورد بكلّ تأكيد. بمعنى أن أركان باش قال: “إذا رشّح (DEM Party) شخصية كوردية، فلن ندعمها” وبعد ردود الفعل الغاضبة والسلبية، قام بتعديل تصريحه وتصحيحه على مضض. المشكلة هنا لا تكمن فقط في الفهم الخاطئ لـ أركان باش، بل في خلفية فكرية ووعي ينظر إلى الكورد – حتى في العقل الباطن – كأتباع وعبيد وعمال فقط.
وإلّا، فإن أركان باش ليس مجرّد تركي عادي؛ بل هو رئيس حزب العمال التركي (TÎP). في الانتخابات العامة لعام 2018، ترشّح في إسطنبول كمرشّح عن حزب الشعوب الديمقراطي (HDP). وفي عام 2023 حظي بدعم (HDP) أيضاً، وصوّت له العديد من الكورد في مناطق مختلفة. عموماً، لا يمكن لحزب العمال التركي ولا لـ أركان باش حصد مقعدٍ نيابي واحدٍ في عموم تركيا دون أصوات الكورد ودعمهم. منح عشرات الآلاف من الكورد أصواتهم لـ أركان باش، لكن الأخير لا يمنح صوته للكورد!
من المسؤول هنا؛ أهو أركان باش أم الكورد؟ ممّا لا شكّ فيه أن (HDP/DEM) اللذان سمحا للشوفينيين العنصريين الأتراك المستترين وأعداء الكورد أمثال أركان باش بخوض معترك الانتخابات والفوز بأصوات الكورد هما المسؤولان، وبالطبع معهما العقل السياسي الواقف خلفهم والداعم لهم، أي عبد الله أوجلان، فـ أوجلان هو من اختار أركان باش كشقيق سياسي له وحدّده كحليف سياسي استراتيجي.
ففي لقاء جرى في شهر آب من عام 2025، قال عبد الله أوجلان عن أركان باش:
“أبلغوا سلامي لأركان باش. لقد عرّفت هذا الحزب الجديد بأنّه “حزب الجمهورية الديمقراطية”. شاركت هذا الاسم مع الرفاق هنا، لكن في الوقت نفسه أخبروا أركان باش أيضاً؛ أنّ هذه المبادرة ستصل إلى حدّ الوحدة التنظيمية على أساس “حزب الاشتراكية الديمقراطية”. نحن نتحدث عن بناء كهذا. خذوا منه مقترحاً بشأن اسم الحزب أيضاً، واعرضوا عليه هذا الاسم أيضاً. انقلوا له هذا كرسالة مع سلامي وتحياتي، وبإمكانهم الانضمام إلى الحزب الجديد”.
نعم، تمّ اختيار أركان باش من قِبل أوجلان. ولكن المشكلة لا تقتصر على هذا فحسب؛ بل تكمن في باراديغما عبد الله أوجلان نفسه، والذي صهر وذوّب بموجبه الثقل السياسي والجماهيري للكورد (بما في ذلك أصواتهم) داخل الساحة التركية.
في عام 1999، جعل أوجلان الحاضنة الجماهيرية والشعب الكوردي في باكور كوردستان جزءاً من السياسة التركية؛ وهي السياسة التي عجز حتى الأتراك أنفسهم عن تغييرها. إن حلّ حزب الديمقراطية الشعبية (DEHAP) الذي تأسّس بناءً على المطالب الكوردية والكوردستانية والوجود السياسي لسلسلة الأحزاب التي بدأت مع “مؤتمر المجتمع الديمقراطي” (KCD) – مثل (DTP) و (HDP) و (DEM Party) ما هي إلّا جسورٌ نحو “التتريك”. لأن هذه الأحزاب لا تتحرك ولا تعمل على ضمان الوجود الكوردي، بل من أجل ضمان وحدة الأراضي التركية وسيادتها.
وتحت مسمى “الرئاسة المشتركة” فتحت الأحزاب الكوردية الباب بمصراعيه أمام القيادات اليسارية التركية. فأصبحت شخصيات مثل فيگن يوكسيكداغ وتولاي هاتيموغولاري ومدحت سانجار ممثّلين مباشرين للجانب التركي. ودخل العديد من الأشخاص الهامشيين غير المعروفين إلى البرلمان التركي بأصوات الكورد الحقيقية، ممّا يضمن حماية “الوحدة الوطنية الشوفينية” لتركيا. الأحزاب السياسية التركية تُدار بالأساس من قِبل الأتراك؛ ولكن حتى هذه الأحزاب التي تدعي أنها أحزاب سياسية كوردية والمنبثقة من إرث (HDP)، باتت تُدار من قِبل الأتراك بهذه الطريقة وهذا الشكل.
وفي ردّه على الانتقادات وردود الأفعال أوضح أركان باش بأنه “شخص يؤمن بأخوة الشعبين التركي والكوردي” والحقيقة أنّ هذه العبارة هي مجرّد كلمة حقّ يُراد بها باطل؛ فهو يؤمن بأخوة الكورد والأتراك، لكنّه لا يصوّت لصالح الحقوق الكوردية. والنتيجة هي: المسألة ليست في رؤية الكورد كإخوة، بل في عدم الاعتراف بهم كأمة تملك حقّ تقرير المصير. وكلّ ما عدا ذلك هو مجرّد بروباغندا. يمثّل أركان باش نموذج الأخوة والرفاقية والتضامن اليسارية التي يفرضها حزب العمال الكوردستاني بكك على كورد باكور كوردستان منذ سنوات وعقود.
هناك مثل كوردي يقول: “لم يقدر على الحمار، فصبّ جام غضبه على البردعة” هذا المثل ينطبق تماماً على أولئك الذين ينتقدون أركان باش، ولكن عندما يصل الأمر إلى عبد الله أوجلان يعجزون عن القول له: “أنت من أوصلنا إلى هذا الوضع”.
أيها الكورد الأعزاء والأحباء، لا تغضبوا من أركان باش؛ فهو يمثّل هويته ومصالحه. لكن المشكلة تكمن في باراديغما (نموذج) عبد الله أوجلان الذي دأب منذ عام 1999 على إضعاف الإرادة القومية الوطنية الكوردية باستمرار عبر مفاهيم مثل “الكونفدرالية الديمقراطية”، “التتريك”، و”الاندماج”، وتسليمها في النهاية إلى الأتراك واستسلامها لهم.
إن حقيقة أن أركان باش (الذي انتُخب بأصوات الكورد) لن يصوت لصالح الكورد، هي النتيجة الحتمية لهذا الباراديغما ونتاجها، والآن، كما أنّ جميع الشخصيات اليسارية التركية التي تتجمع حول الكورد تحت شعار “أخوة الشعوب” ليست لمساعدة الكورد ومن أجل حماية حقوقهم القومية؛ بل تقف إلى جانب الكورد لضمان وحدة تركيا وتماسكها وعدم تقسيمها. وأن القائد الموجّه والمشرّع لهذا المسار الذي يقود الكورد نحو التتريك هو عبد الله أوجلان نفسه.