لماذا أشعلت أمريكا الساحة الإعلامية بقضية انخراط الاتحاد الوطني الكوردستاني بعملية اغتيال سليماني في هذا الوقت بالذات؟!

لماذا أشعلت أمريكا الساحة الإعلامية بقضية انخراط الاتحاد الوطني الكوردستاني بعملية اغتيال سليماني في هذا الوقت بالذات؟!

أشعلت أمريكا الساحة الشرق الأوسطية مجدّداً بعد نشرها لتقرير يورّط جهاز مكافحة الإرهاب التابع للاهور شيخ جنكي حليف طهران نهاراً بتضلّعه وانخراطه بعملية اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني “قاسم سليماني” ونائب هيئة الحشد الشعبي الشيعي أبو مهدي المهندس مطلع عام 2020، فنوقشت أمور لم تكن في الحسبان، وأصبح الشرق الأوسط على فوهة بركان قد ينفجر أية لحظة! وأصبح لاهور ومؤسّساته وأجهزته الأمنية في حالة يرثى لها، فبات يُرى بأنه حليف طهران نهاراً ورجل أمريكا ليلاً وفي الظلام!

هل فرقة النخبة الأمريكية “دلتا” بحاجة إلى تعاون جهاز مكافحة الإرهاب للاتحاد؟!

القوة التي اغتالت قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، هي قوة أمريكية نخبوية، تعرف بفرقة (دلتا) وهي نفس القوة التي قضت على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وخليفة داعش أبو بكر البغدادي، فهي قوة متخصّصة في القضاء على الأهداف الصعبة بل والمستحيلة، فنادراً ما تحتاج هذه الفرقة إلى طرف آخر أو قوة أخرى أو عناصر أو أشخاص آخرين يتعاونون معها في تحقيق أهدافها أو تنفيذ مهامها، رغم هذا فقد استعانت هذه القوة العملاقة بجهاز مكافحة الإرهاب التابع للاتحاد الوطني ورئيسه المشترك لاهور، والمتواضع في إمكانياته، في قضية استهداف سليماني واغتياله، والسؤال الذي يُطرح هنا هو: لماذا استعانت قوة عملاقة كهذه وتملك هذا الكمّ الهائل من التكنولوجيا بلاهور شيخ جنكي وطاقمه؟ فهل كان قاسم سليماني هدفاً أصعب من بن لادن والبغدادي؟!

فالحقيقة هي أن أمريكا لم تكن بحاجة إلى تعاون جهاز مكافحة إرهاب الاتحاد ولاهور ورجاله قطعاً، إلا أن هناك أهدافاً أخرى وراء استعانة أمريكا بعناصر من جهاز مكافحة الإرهاب للاهور والاتحاد لتنفيذ هذه المهمّة، تمثّلت في استخدامها كورقة ضغط على هذا الشخص وحزبه، وتأزيم العلاقات القوية التي يتمتّع بهما مع الدولة الإيرانية وقت الحاجة، وفضح الاتحاد متى ما شاءت الولايات المتحدة أمام إيران وشيعة العراق.

فممّا لا شك فيه أن للاتحاد الوطني علاقات وطيدة ومعاهدات واتفاقيات استراتيجية مع إيران، وانطلاقاً منها يتمتّع الاتحاد بعلاقات أكثر من جيدة مع ميليشيات الحشد الشعبي وشيعة العراق، وهذا بالذات ما يغضب أمريكا منذ عقود من الزمن، ومن ضمن الوسائل الفعالة التي سلكتها الولايات المتحدة لإعاقة التأثيرات الإيرانية وإضعافها على الساحة العراقية هو خلق حالة من انعدام الثقة بين إيران وأقوى حلفائها الاستراتيجيين في العراق والمتمثّل في الاتحاد الوطني الكوردستاني الذي يخضع للهيمنة الإيرانية بالتمام، إذ بات مكشوفاً للجميع الامتعاض الأمريكي من العلاقات بين إيران والاتحاد، وهذا ما وضّحته إيران للاتحاد بصراحة تامة منذ فترة!

أمريكا صارحت الاتحاد ورئيسيها لاهور وبافيل في الـ 13 من الشهر المنصرم، بأن الوقت قد حان لقطع علاقاتهما بإيران!

كانت آخر رسالة أمريكية صريحة لرؤساء الاتحاد المشتركين (لاهور وبافيل) في الـ 13 نيسان المنصرم، بـ: “أن الوقت قد حان لقطع علاقاتهما بإيران” وقد أوصل السفير الأمريكي في العراق (ماثيو تولر) والقنصل الأمريكي في إقليم كوردستان (روب والر) هذه الرسالة الصريحة لرؤساء الاتحاد لدى زيارتهما لرؤساء الاتحاد المشتركين (بافيل ولاهور) فقد صارح السفير الأمريكي قادة الاتحاد بأن الوقت قد حان لقطع علاقات الاتحاد بإيران، كون إيران ترعى كلّ المواقف المعادية للمصالح الأمريكية في العراق والمنطقة والشرق الأوسط.

 

لماذا أشعلت أمريكا الساحة الإعلامية بقضية انخراط الاتحاد الوطني الكوردستاني بعملية اغتيال سليماني في هذا الوقت بالذات؟!
لماذا أشعلت أمريكا الساحة الإعلامية بقضية انخراط الاتحاد الوطني الكوردستاني بعملية اغتيال سليماني في هذا الوقت بالذات؟!

وأن الاتحاد قد تخطّى كل الخطوط الحمراء الأمريكية بتقاربه من إيران، وأن مواقف الاتحاد الموالية لسياسة الـ PKK وميليشيات الحشد الشعبي في شنگال ووقوفه غير المباشر في الجبهة المعارضة لتنفيذ بنود اتفاقية شنگال بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان، كلّ هذا إنما هي دلائل وأمثلة حية واضحة على مدى التقارب بين الاتحاد وإيران، إذ يعتبر ما مرّ ذكره دعماً وتأييداً وعضوية في جبهة (محور المقاومة) الإيرانية في المنطقة.

حليف طهران نهاراً ورجل أمريكا ليلاً

في هذه الأثناء، حاول الاتحاد الجمع بين المتناقضين ومزاولة سياسة (الأكل باليدين واللعب على الحبلين) فلم يبغي قطع علاقاته مع الجانب الإيراني نهائياً، في الوقت نفسه، لم يرغب في إغضاب الجانب الأمريكي أكثر من اللازم، لهذا حاول لاهور جنكي تطبيق سياسة (حليف طهران نهاراً ورجل أمريكا ليلاً!).

فإثارة أمريكا لقضية اغتيال سليماني في هذا الوقت بالذات، وإشعال الساحة المشتعلة أساساً بهذه القضية الساخنة، والكشف عن ملابسات القضية بتعاون جهاز مكافحة الإرهاب للاهور ليس من باب الصدفة بتاتاً، فالتقرير كان بالغ الدقة في الكشف عن التفاصيل الدقيقة لمشاركة ضباط في جهاز مكافحة الإرهاب التابع للاهور في العملية، وكيف سار عنصر من جهاز مكافحة الإرهاب التابع للاتحاد الوطني، متنكّراً بزي ضابط شرطة عراقي إلى حطام سيارة سليماني والتقط صوراً، وسرعان ما حصل على عينة منه لتأكيد الحمض النووي قبل أن يبتعد ويتوارى عن الأنظار ليلاً، فهذه التفاصيل الدقيقة عن عملية اغتيال قاسم سليماني إنما هي لاستفزاز إيران لا غير! فالرسالة التي ارادت أمريكا إيصالها للجانب الإيراني ضمناً هي: نعم، قد يكون لاهور حليفكم نهاراً ولكن اعلموا جيداً بأنه رجلنا ليلاً، ومتى ما أردنا استخدامه فهو على أتمّ الاستعداد!!

مقالات ذات صلة