ديار ديرسم وهوزان دينو… بين الرمزية القومية وصوت الوطنية

ديار ديرسم وهوزان دينو... بين الرمزية القومية وصوت الوطنية

لم تكن الفنون والموسيقى الكوردية يوماً ما مجرّد وسيلة للترفيه والمتعة أو قضاء الوقت؛ بل كانت دائماً الساحة الحقيقية وميداناً وجبهة لحماية اللغة، الهوية، والقيم القومية والمبادئ الوطنية. حيث نهض الفنانون والشعراء الكورد كسفراء لقضية شعبهم عندما كان الكورد يُحرمون من أبسط حقوقهم الأساسية، مع ذلك، أثارت مواقف بعض الفنانين في السنوات الأخيرة جدلاً واسعاً ونقاشات عميقة وانتقادات حادّة في أوساط الرأي العام الكوردي. وتأتي في مقدمة هذه السجالات المواقف المثيرة للجدل للمدعو “دوار ديرسم” من جهة، يقابله في الجانب الآخر الموقف الوطني الأصيل والجليل والواضح للفنان الكوردي العظيم “هوزان دينو”.

الانتقاد الأكبر الموجَّه اليوم إلى “ديار ديرسم” هو موقفه السيء تجاه الرموز القومية-الوطنية، وبشكل خاص تجاه “علم كوردستان” فالعلم بالنسبة للشعب الكوردي ليس مجرّد قطعة قماش؛ بل هو الهوية، والكرامة، ودماء الشهداء، والإرادة السياسية لكافة أجزاء كوردستان الأربعة.

إن رفض واستنكاف “ديار ديرسم” من رفع علم كوردستان، أو تجنب الوقوف تحت ظلاله في العديد من الفعاليات والأنشطة والحفلات والبرامج… يشقّ جرحاً غائراً عميقاً في الوعي القومي والوطني لجمهوره ومعجبيه ومستمعيه. فـ فنان غنى لسنوات الأغاني الثورية والقومية الوطنية، لا ينبغي له ـ عندما يصل الأمر إلى تبني الرمز الأكثر قدسية لشعبه ألا وهو علم كوردستان ـ أن يقع تحت تأثير السياسات الأيديولوجية أو الحزبية الضيّقة. فهذا الموقف لا يشكّل تقليلاً وانتقاصاً من قيمة العلم القومي فحسب، بل هو في الوقت ذاته إخلالٌ بقيمة ذكرى آلاف الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم تحت راية هذا العلم وظلّه.

عندما نقف على موقف “ديار ديرسم” تجاه علم كوردستان الملوّن فإن هذا الموقف لا يمكن تقييمه مجرّد “موقف شخصي لفنان ما”. بل هذا الموقف هو نتاج وثمرة مباشرة لذلك الخط الأيديولوجي الذي رسمه عبد الله أوجلان وحزب العمال الكوردستاني بكك، ولفهم هذا الابتعاد عن الرموز القومية الوطنية لا بدّ للمرء من النظر في باراديغما (النموذج الفكري) وأطروحات ومفاهيم هذه الحركة وتوجّهاتها.

فـ عبد الله أوجلان انتقد -لا سيّما بعد تسعينيات القرن الماضي من خلال نظرية “الأمة الديمقراطية”- مفهومَ القومية الكوردية الكلاسيكية والنزعة القومية، ووصفها بأنها “رجعية إقطاعية أو برجوازية”. وتحت مسمى “مناهضة ومعاداة القومية”، وقفت هذه الأيديولوجيا تدريجياً ضدّ المطالب الأساسية المتمثّلة في استقلال كوردستان وبناء دولة كوردستان. وبدلاً من الدولة المستقلة، جرى الترويج لمشاريع بديلة وتقديمها كـ “الكونفدرالية الديمقراطية” و”العيش المشترك مع الشعوب المهيمنة-المحتلة”. هذه المقاربة يُعرّفها العديد من المثقفين والنقاد الكورد بأنها “أيديولوجيا تمييع واستيعاب الطاقة والثورة الكوردية داخل حدود الدول القائمة”، وتُصنّف كإيديولوجيا “مناهضة معادية للكورد” و “مناهضة للقومية”.

والفنان ديار ديرسم، بوصفه شخصية نشأت وترعرعت في كنف هذه الماكينة الأيديولوجية، قد بنى فنّه ومواقفه وفقاً لهذا الخط تماماً. والسبب في أن ديار وأقرانه من الفنانين الذين لا يمنحون مساحة لعلم كوردستان على المسارح وخلال الفعاليات… لا يعود لأسباب موسيقية فنية؛ بل هو امتثالٌ للمطالب الأيديولوجية لحزب العمال الكردستاني بكك واستجابة لها. فبالنسبة لهذه الأيديولوجية، لا يمثّل “العلم الملون-علم كوردستان” سوى رمزاً لإقليم كوردستان-جنوب كوردستان، أو رمزاً “للقومية الكلاسيكية” المذمومة والمرفوضة وفقاً لرؤيتهم السياسية. لكنّ هذه المقاربة تمثّل في الواقع والحقيقة خطأً تاريخياً فادحاً؛ فالعلم الكوردي-علم كوردستان، وقبل وقت طويل من قيام إقليم فيدرالي في جنوب كوردستان-إقليم كوردستان الفدرالي- كان رمزاً لـ “جمهورية كوردستان في مهاباد” (1946) وميراث حركة “خويبون” (1927)؛ ما يعني أنه رمز الكرامة المشتركة لعموم الكورد.

هذه الأوساط والنخب التي تتبنى هذا الخطّ، تعمد بدلاً من الترويج للعلم والرموز التي احتشد الكورد حولها معاً لقرون؛ إلى إبراز الرايات الحزبية والصور الشخصية (صور أوجلان) والترويج لها. هذا الواقع وهذا الوضع يتسبّب في تحويل الفن بدلاً من أن يكون أداة للوحدة القومية الوطنية؛ إلى وسيلة لتجزئة المجتمع وتفتيته وتفكيكه، إذ لا يمكن اختزال كوردستان أو تعريفها وفق أيديولوجيا واحدة أو برؤى وأفكار شخص واحد؛ بل إن كوردستان حيةٌ وموجودة بتوق 50 مليون كوردي للحرية والاستقلال وتعلقّهم برموزهم القومية الجامعة.

موقف ديار ديرسم في هذا الإطار يُظهر كيف يمكن للفن، عندما يستسلم للمعتقدات والدوغما السياسية، أن ينسلخ عن كرامته وقيمته القومية الوطنية ويبتعد عنها. وأكبر وأعظم نقد تأريخي يُوجَّه إليه وإلى الأيديولوجيا التي يتبنّاها هو: لا يمكن لأي حزب، ولا لأي قائد أو زعيم، ولا لأي فلسفة، أن ترى نفسها أسمى وأقدس من التوق إلى الاستقلال ومن علم كوردستان.

بينما على الجانب الآخر من هذه المعادلة، يقف الفنان العظيم “هوزان دينو” كنجم كوني ساطع وأبيٌ وشهم أصيل… فـ هوزان دينو يجسّد الروح الأصيلة للفن الكوردي بصوته العميق والعذب وقصائده المفعّمة بالحنين والوطنية… ومن الجدير والاستحقاق بالثناء والتقدير هو أن “هوزان دينو” لم يضحِّ بفنه يوماً ولم يقدّمه قرباناً لمصالح حزب أو إيديولوجية ضيّقة؛ بل ظلّ فناناً كوردستانياً اصيلاً، صوته في أغنيتيه “چوو” و “ئۆی یارێ” هو صرخة قلب وطن جريح يرى أجزاء كوردستان الأربعة جسداً وروحاً واحدة…

يبرهن موقف هوزان دينو على أنه بإمكان المرء أن يكون فناناً ثورياً، وأن يخطو خطوات ثابتة ويسير بثبات على درب وخط الوطنية الحقّة، وفي الوقت ذاته، أن يبدي احتراماً وتقديراً مطلقين لا حدود لهما للقيم والرموز القومية الوطنية وفي مقدمتها علم كوردستان الملون، فـ “دينو” يعلّمنا أنّ الفن الحقيقي هو ذلك الذي يترفع فيه الإنسان فوق كلّ أشكال الانقسامات والخلافات والصراعات الداخلية بين الكورد، ليكون صوتاً للوحدة والتلاحم…

ينبغي على الفنانين الكورد أن يدركوا جيداً أن الشعب الكوردي لا يحبّهم لمجرّد عذوبة أصواتهم؛ بل يمنحهم المكانة والتقدير والاحترام بناءً على مواقفهم، وإخلاصهم، وولائهم وتبنيهم للقيم القومية الوطنية. وعلى ديار ديرسم أن يصغي جلياً وجيداً إلى هذا النقد البنّاء النابع من وعي قومي وطني، وأن يعلم جيداً أنه لا توجد أيديولوجيا أسمى من علم كوردستان المقدّس ومن الوحدة القومية-الوطنية. أما هوزان دينو، فهو ـ كما كان دائماً ـ سيظلّ بمثابة منارةٍ للكرامة وبرجاً للأصالة والشهامة في تأريخ الفن الكوردي، ورمزاً حيّاً لامعاً وساطعاً، وجديراً ومفعّماً بالثناء على الدوام…