المتباكون الزائفون في سوريا، وجوه منافقة…

المتباكون الزائفون في سوريا، وجوه منافقة...

الجزء الأول

بقلم… ماهر حسن

نجد اليوم أصواتًا تحاول ادّعاء أن جميع السوريين كانوا ضحايا النظام على حدّ سواء. هذا الادّعاء، رغم سطحية ظاهره، ليس سوى محاولة بائسة للتهرّب من الحقيقة، إذ يخفي وراءه ممارسات مكشوفة لطمس معاناة الكورد الحقيقية ووضع من كانوا جزءًا من آلة القمع في خانة الضحايا. هؤلاء الذين يدّعون اليوم أنهم تعرّضوا للاضطهاد مثل الكورد، هم أنفسهم كانوا، في فترات سابقة، أعمدة للنظام البعثي أو داعمين لسياساته، وشاركوا بشكل مباشر أو غير مباشر في تنفيذ المخطّطات القمعية التي استهدفت الكورد بشكل خاص. والآن، يحاولون تقديم أنفسهم كشركاء في المظلومية للتغطية على تاريخهم الملوّث بالمشاركة في سياسات القمع والاستبداد.

الشعب الكوردي في سوريا لم يكن مجرّد ضحية للظلم العام الذي عانى منه السوريون، بل كان مستهدفًا بسياسات ممنهجة تهدف إلى القضاء على هويته الثقافية، وطمس لغته، ومحو وجوده القومي من الذاكرة الجغرافية والتاريخية. مشاريع مثل “الحزام العربي” الذي شكّل كارثة ديموغرافية واجتماعية على الكورد، لم تكن مجرّد خطوة عشوائية أو قرار عابر، بل خطّة محكمة ومخطّط لها بعناية. كان الهدف الأساسي منها هو تهجير الكورد من أراضيهم التاريخية في سوريا، واستبدالهم بسكان جُلبوا من مناطق أخرى، لتغيير التوازن السكاني والقومي في المنطقة، وتفريغها من طابعها الكوردي الأصيل. هذه الخطة، التي بدأت في ستينيات القرن الماضي واستمرت لسنوات، لم تكن ممكنة التنفيذ دون دعم وتأييد من كثيرين ممن يدّعون اليوم أنهم ضحايا للنظام نفسه.

هذه السياسات لم تكن مجرّد استهداف سكاني بسيط، بلّ مثّلت استهدافًا مباشرًا لجذور الكورد الثقافية والاجتماعية والسياسية. فمنذ تجريد عشرات الآلاف من الكورد من جنسيتهم في إحصاء عام 1962، إلى عمليات تهجيرهم القسري من أراضيهم تحت ذريعة تنفيذ الحزام العربي، كانت هذه الخطوات تهدف إلى طمس الوجود الكوردي بكلّ أبعاده. أضف إلى ذلك سياسات التعريب التي شملت تغيير أسماء القرى والمدن الكوردية، ومنع استخدام اللغة الكوردية، وفرض الثقافة العربية بالقوة، مما جعل الكورد يعانون من قمع مضاعف، يستهدف وجودهم القومي وهويتهم في آنٍ معًا.

لكن المفارقة الكبرى تكمن في ازدواجية من يدّعون اليوم المظلومية، ويزعمون أنهم كانوا مستهدفين مثل الكورد. هؤلاء لم يُجرّدوا من جنسيتهم كما حدث للكورد، ولم يُحرموا من حقّ التحدث بلغتهم أو ممارسة ثقافتهم، بل على العكس، كانوا في صفوف النظام، يستفيدون من امتيازاته، ويدعمون سياساته العنصرية التي استهدفت الكورد تحديدًا. كانوا يشغلون المناصب، ويشاركون في تنفيذ سياسات التعريب والتهجير، أو على الأقل، كانوا صامتين ومتواطئين مع النظام حينما كان يمارس أبشع أشكال القمع بحقّ الشعب الكوردي. هذه الحقيقة تجعل من الصعب جدًا تصديق ادعاءاتهم بأنهم كانوا ضحايا مثل الكورد.

كيف يمكن لمن دعم سياسات التعريب أو تغاضى عنها أن يدّعي أنه كان مظلومًا؟ كيف يمكن لمن صمت عن إحراق القرى الكوردية وتعريب أسمائها أن يقف اليوم ليضع نفسه في مصاف من سُحقت حقوقهم؟ الحقيقة أن هؤلاء لا يدّعون المظلومية إلا لأن النظام، الذي خدموه لسنوات، لفظهم حينما انتهى دورهم، وأصبحوا مجرد أدوات مهملة بعد أن استُنفدت فائدتهم.

هذه الأصوات التي تعلو اليوم ليست سوى أبواق خاوية تحاول تضخيم مظلوميتها المزعومة لتساوي نفسها بشعب عانى لعقود من سياسات الإقصاء والاضطهاد الممنهج. لكنها في الحقيقة لا تملك أي رصيد أخلاقي أو سياسي يجعلها قادرة على الحديث عن المظلومية، لأن أفعالها الماضية، وتواطؤها مع النظام، وحتى صمتها عن حقوق الكورد اليوم، تفضح نواياها الحقيقية. هؤلاء لم يدافعوا يومًا عن حقوق الشعب الكوردي، ولم يعترفوا بخصوصية قضيته العادلة، بل حاولوا باستمرار تشويهها، وادعاء أن الكورد كانوا جزءًا من أزمة أوسع، لتبرير صمتهم وتواطئهم.

المظلومية الحقيقية ليست مجرّد شعارات تُرفع لتبرير أخطاء الماضي، بل هي معاناة حقيقية تدعمها وقائع تاريخية وشواهد دامغة. والشعب الكوردي، الذي عانى من التجريد من الجنسية، ومنع اللغة، وطمس الهوية، والتهجير القسري، والتعريب المنهجي، لا يمكن مقارنته بأولئك الذين كانوا جزءًا من النظام القمعي أو داعمين له. هؤلاء الذين يدّعون اليوم أنهم يسعون للحرية والديمقراطية، لا يختلفون كثيراً عن ممارسات النظام الذي يتنصلون منه. إن إنكارهم لخصوصية المظلومية الكوردية، ومحاولاتهم لمحو معاناة الكورد، ليست سوى استمرار للعقلية البعثية التي لا تزال تعشّش في أذهانهم.

مقالات ذات صلة