بقلم… سمكو عبد العزيز
رسالة مفتوحة إلى…
الرأي العام…
المثقفين والمفكرين…
المدافعين عن القضايا الإنسانية…
من يكتبون عن معاناة الإيزيديين ويغفلون عن جوهر هويتهم ويتجاهلونها…
إلى السيد عبد الله أوجلان الذي تجاهل هوية الإيزيديين في رسالته بتأريخ 18/3/2025…
تحية طيبة لكلّ صوت حرّ ناصر لشعبنا الإيزيدي، وسلّط الضوء على مآسيه وتاريخه وآلامه وحقّه في الحياة والحرية.
أتساءل هنا: كيف يمكن للإنسان أن يكتب عن الإيزيديين، دون التطرّق لانتمائهم القومي؟
وأي عدالة وتشاؤم تلك التي تعترف بدمهم، وتغفل عن هويتهم التي من أجلها سُفك هذا الدم؟
في السنوات الأخيرة، أصبحت شعارات وخطابات “تعايش الشعوب” و”الإنسانية الكونية” أداة ووسيلة لحزب العمال الكوردستاني بكك وقائده ويفرضونها على المجتمع الإيزيدي، لكن ما يثير المخاوف هنا هو أن هذه اللغة مجرّدة من الاعتراف بالهوية القومية للإيزيديين وخصوصية انتمائهم الكوردي، وكأن كوردايتية الإيزيديين عبءٌ ثقيل على الإيزيدياتية ويجب التخلّص منها كي يصبح مقبولًا في سجلّ الضحايا.
الإيزيديون ضحايا التمييز المزدوج: الدين والقومية
لعلّ ما يفاقم مأساة الإيزيديين، هو أنهم لم يتعرضوا للاضطهاد والقمع فقط بسبب معتقدهم الديني، بل أيضًا بسبب قوميتهم الكوردية. فقد عاشوا تأريخهم بين سندان الإنكار الديني ومطرقة طمس الهوية القومية.
فحينما نقيّم عملية الذاكرة الجماعية للإيزيديين (كولكتيف- Collective) تبرز مشاهد أمام أنظارنا تتلخّص في أن الإيزيديين لم يواجهوا أحداث الفصل فحسب، بل تعرّضوا لسلسلة ممنهجة من عمليات الإبادة الجماعية والمجازر والانتهاكات، بدأت منذ العهد العثماني، واستمرت وتواصلت خلال العهود المختلفة في العراق وسوريا، ووصلت إلى ذروتها في فرمان الـ 73 على يد تنظيم “داعش” عام 2014 في شنگال وانتهاء بـ فرمان 74 المستمرة على يد حزب العمال الكوردستاني بكك.
تتلخّص عملية الإبادة الجماعية للإيزيديين باختصار في:
1- الفرمانات العثمانية، والتي قضت بإجبار قسم كبير من الإيزيديين على اعتناق الإسلام بالقوة، وارتُكبت خلالها مجازر طائفية دموية.
2- فرمان الأمير بدرخان البوتاني عام 1832، والتي استهدفت الإيزيديين في جبل شنگال بسبب الدين والهوية القومية.
3- سياسات التعريب في عهد نظام البعث: حيث تمّ تهجير الإيزيديين قسرًا، ومسح طابعهم الكوردواري وتدمير قراهم.
4- افبادة الجماعية ومجازر شنگال عام 2014: حيث قُتل الآلاف، واستُعبدت النساء، وهُجّر عشرات الآلاف، بسبب دينهم وانتمائهم العرقي.
5- سياسة عبد الله أوجلان وحزب العمال الكوردستاني بكك باسم (تعايش الشعوب والإنسانية الكونية) هي محاولة لتدمير العرق القومي للإيزيديين.
هذا السرد التاريخي ليس مجرّد سرد للمآسي التاريخية للإيزيديين، بل هو مرآة تعكس نقطة التقاء القمع الديني وطمس الهوية القومية ضدّ الإيزيديين.
وكما قال الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984):
“من لم يوثّق قصته التاريخية بنفسه سيصبح ضحية لما يروى له ويلقن من قبل المحتل”
كوردية الإيزيديين: حقيقة لا يمكن إنكارها
إن كوردية الإيزيديين (الانتماء الكوردي للإيزيديين) ليست مجرّد رأي، بل حقيقة أنثروبولوجية، لغوية، ثقافية، وجغرافية:
فلغتهم كوردية أصيلة، وبها يقيمون صلواتهم ويمارسون طقوسهم وشعائرهم، فديانتهم كوردية ولم تُترجم إلى لغات أخرى عبر التأريخ، ملابسهم، طقوسهم، موسيقاهم، مراسيمهم كلها كوردية الأصل والطابع.
أرضهم التاريخية – لالش، شنگال، بهدينان، بعشيقة– تقع في قلب جغرافية كوردستان.
يقول الفيلسوف الألماني يوهان غوتفريد هيدر: “اللغة هي روح الأمة، وكلّ أمّة تفقد لغتها تفقد نفسها حينها”.
وقال الفيلسوف والمفكر الليبرالي البريطاني جون ستيوار ميل: “الشعوب التي لا تعي قوميتها، لا تستحق الحرية، لأن الوعي القومي شرط لنيل الديمقراطية.”
وبالتالي، فإن طمس الهوية القومية للإيزيديين (كوردايتية الإيزيديين) باسم (تعايش الشعوب-الإنسانية الكونية) هو اجتثاث للحرية من معناها ومدلولها من جذورها، وتفريغ لمفهوم العدالة من مضمونه وفحواه.
وما نشعر به هو أن عبد الله أوجلان كان يحاول من قبل أن يقرّب الإيزيديين إليه باسم أغنية “درويش عبدي” ويجعل من نفسه بطلاً للإيزيديين بتصوير نفسه وكأنه “درويش عبدي”.
وخلال العقد الأخير، وتحت غطاء وستار (تعايش الشعوب، الإنسانية الكونية) بذل جهوداً حثيثة لاجتثاث الهوية الوطنية-القومية للمجتمع الإيزيدي وإلغائها.
وهذا التفسير يتعارض 180 درجة مع تفسير عبد الله للإيزيديين في أغنية درويش عبدي.
بمعنى، أنه كما تعامل عبد الله مع الحركة السياسية الكوردية لكورد باكور كوردستان في الماضي والحاضر كأنها لعبة بلاستيكية، وحرّكها كلّ عقد من الزمن وفق رغباته نحو (الشيوعية، الدولة المستقلة، الاشتراكية وتعايش الشعوب…) فكذلك يحاول معاملة الإيزيديين كـ لعبة بلاستيكية.
ولكن وكما يقول العالم والفيلسوف الفرنسي بول ريكور (1913-2005): “”من يفرض عليك أن تكون مجرّد إنسان، إنما يسلبك حقك في أن تكون ما أنت عليه.”
التعايش والسلام الحقيقي لا يقومان على طمس الهوية بل على الاعتراف بها
إن السلام المبني على الإلغاء وصهر الهوية الوطنية وإلغائها ليس سلاماً حقيقياً، بل هو سلام زائف وإبادة جماعية وامتداد ناعم لسياسات الصهر الثقافي التي تدفن الذاكرة قبل قتل الجسد، وهو ليس سلاماً قائماً على الاحترام والحقوق الطبيعية للإنسان.
وفي الختام، فإنّ أي خطاب أو تفسير أو مشروع عن الإيزيديين دون الاعتراف بكوردية الإيزيديين-الانتماء القومي الكوردي للإيزيديين، فهو ليس خطاباً سليماً بل هو خطاب ناقص حتى وإن كانت نوايا صاحبه سليمة ونبيلة وحسنة.
ولا نطالب نحن بالاعتراف بالهوية القومية للإيزيديين، لأنهم لم يفقدوا هويتهم الكوردية.
ولكن، نطالب بعدم المساس بهويتهم وانتهاكها وهدمها تحت شعارات زئبقية.
كما أريد أن أذكّر عبد الله أوجلان بأن الإبادة الجماعية لا تبدأ من السلاح بل من اللغة ومن ثمّ السلاح، لذلك فإن ما يفعله عبد الله أوجلان وحزب العمال الكوردستاني بكك بالإيزيديين هو بداية إبادة جماعية كبرى ويجب أن تتوقف.