الجزء الأول
بقلم… ماهر حسن
إن الحديث عن “صورة مشوّهة للكورد” لا يمكن فصله عن الواقع الأوسع الذي تشكّلت فيه هذه الصورة، وهو في جوهره اعتراف ضمني بفشل البعض في مواجهة الحقيقة كما هي، بل وحتى رفضهم الاعتراف بجذورها العميقة. هذا الخطاب الذي يطرح وكأن الصورة المشوهة هي أزمة طارئة أو نتيجة أفعال راهنة للكورد أنفسهم، إنّما يعكس سطحية التحليل وعجزاً عن التعمّق في فهم الأسباب التاريخية والسياسية والاجتماعية التي أوصلت الأمور إلى هذا الشكل.
حين يتحدّث البعض عن الصورة المشوّهة، فإنهم يغفلون عن حقيقة أن هذه الصورة لم تأتِ من فراغ، ولم تكن وليدة تصرفات معزولة أو لحظات زمنية عابرة. بل هي نتاج عقود طويلة من سياسات متعمدة، كان هدفها الأساسي إضعاف الكوردي وتشويهه في أعين الآخرين، وصياغة رواية تخدم مصالح السلطة المستبدّة التي عملت على زرع الانقسامات بين مكوّنات الشعب السوري. لكن الحديث عنها اليوم وكأنها مشكلة أخلاقية تخصّ الكورد وحدهم، هو محاولة للهروب من مواجهة هذا التاريخ، ومحاولة التهرّب من مسؤولية تفكيك الخطاب الإقصائي الذي ساهم الجميع، بشكل أو بآخر، في ترسيخه أو الصمت عنه.
هذا الاعتراف الضمني بالفشل يتجلّى بوضوح في طريقة النقاش ذاته. فبدلاً من السؤال عن الأسباب الحقيقية لهذا التشويه، نجد البعض يروّج لفكرة أن الكورد هم من سمحوا لهذه الصورة بالتشكل، أو أنهم يتحملون مسؤوليتها وحدهم. وهنا يكمن جوهر المشكلة: عدم القدرة على مواجهة الذات وتحمّل المسؤولية الجماعية عن إعادة إنتاج هذا التشويه عبر الخطاب الإعلامي، والسياسات الرسمية، وحتى الخطابات الشعبية التي ردّدت شعارات النظام أو تبنّت مفاهيمه دون وعي.
الفشل في رؤية الحقيقة كما هي يعني عدم الاعتراف بأن الكوردي، مثل أيّ مكوّن آخر في سوريا، كان ضحيّة منظومة قمعية شمولية لم تستهدفه وحده، بل استهدفت الجميع، ولكن بدرجات وأشكال مختلفة. هذا الفشل هو أيضاً في إدراك أن استمرار هذه الصورة المشوّهة يخدم ذات المنظومة التي صنعتها، لأنها تعتمد على الانقسامات كوسيلة للبقاء. إنكار هذا الفشل هو بمثابة مساهمة مباشرة في استمرار السياسات التي تسعى إلى تشويه الآخر واعتباره مختلفاً أو أقل استحقاقاً للمواطنة والاعتراف.
إن رفض رؤية الحقيقة كما هي يعني إنكار أن الكوردي لم يكن يوماً خارج معادلة الوطن، ولم يكن بحاجة لأن يثبت وجوده أو دوره في بناء سوريا. الصورة المشوهة التي يتم الحديث عنها ليست سوى انعكاس لتصورات مسبقة زرعتها سياسات التفرقة، والتي استغلّت كلّ الوسائل الممكنة لتكريس فكرة أن الكوردي غريب أو طارئ على الأرض التي يعيش عليها. لكن هذا النقاش الذي يُطرح اليوم حول الصورة المشوهة، بدلاً من أن يتحوّل إلى فرصة لتفكيك هذا الموروث السلبي، يتحوّل في كثير من الأحيان إلى خطاب تبريري يعيد إنتاج نفس الأفكار المسمومة التي أوصلتنا إلى هذا التشويه في المقام الأول.
الأكثر خطورة في هذا النقاش هو أنه يُستخدم كأداة لإلقاء اللوم على الكورد أنفسهم، وكأنّهم مسؤولون عن الصورة التي رُسمت لهم قسراً، أو كأنهم مطالبون وحدهم بتغييرها. كيف يمكن مطالبة الكوردي بتغيير صورة لم يصنعها؟ وكيف يمكن إنكار دوره ووجوده في مواجهة هذه الصورة عندما كان في الصفوف الأولى، يناضل إلى جانب بقية السوريين من أجل الحرية والكرامة؟ هذا الإنكار ليس سوى استكمال لعملية التشويه نفسها، ولكن بأدوات جديدة ومظاهر مختلفة.
إن فشل البعض في رؤية الحقيقة كما هي يعني عدم الاعتراف بالظلم الذي تعرّض له الكوردي، ليس فقط على مستوى الحقوق والقوانين، بل حتى على مستوى الخطاب الجمعي الذي ظلّ ينظر إليه كآخر، كشخص خارج عن “الإجماع الوطني” أو كمجرّد مكوّن إضافي يمكن التعامل معه حسب الظروف. هذا الفشل يعبر عن عجز عن فهم أن بناء الوطن لا يكون بإقصاء أحد أو التشكيك في حقوقه، بل بالاعتراف الكامل بالمظالم التي تعرّض لها الجميع، وبخاصة الكورد الذين كانوا هدفاً مباشراً لسياسات محو الهوية والطمس الثقافي لعقود طويلة.
لذلك، فإن الحديث عن “الصورة المشوّهة للكورد” دون مواجهة جذورها ودون الاعتراف بأن هذه الصورة هي انعكاس لفشلنا جميعاً في مواجهة موروث الإقصاء، هو خطاب عقيم لا يخدم إلا استمرار الوضع القائم. الحقيقة هي أن الكوردي لا يحتاج إلى تبرير أو دفاع عن صورته، بل يحتاج إلى اعتراف واضح وصريح بحقّه كشريك أصيل في هذا الوطن، وإلى مواجهة شجاعة لكلّ من ساهم في ترسيخ هذه الصورة المشوّهة، سواء بقصد أو بدون قصد.