تحريض ذهني مسموم

تحريض ذهني مسموم

بقلم… ماهر حسن

شتيمة الكورد، كما نراها اليوم، لا يمكن فهمها بوصفها انفعالًا فرديًا أو تصرّف لحظة غضب. بل لحظة فاصلة يتحوّل فيها النقاش من حيزه الطبيعي إلى فضاء عدائي، حيث لا يعود الكلام وسيلة لفهم الخلاف، بل وسيلة لإعادة تعريف طرف كامل بوصفه خطرًا. في هذا التحوّل، لا يستهدف الرأي بقدر ما يستهدف الوجود نفسه، ويعاد تقديم الحديث عن الحقوق أو الهوية باعتباره تهديدًا يستدعي المواجهة لا الحوار.

يبدأ الأمر بكسر بسيط في اللغة: تشويه الوقائع، اقتطاع الأحداث من سياقها، وتكرار توصيفات تختزل الكورد في صورة واحدة مشحونة بالريبة. ومع التكرار، تفقد هذه الأوصاف طابعها الادعائي، وتتحوّل إلى ما يشبه “المعرفة العامة”. لا يعود المتلقي يسأل عن صحتها، بل يتعامل معها كمعطى بديهي. هكذا، تستبدل الأسئلة السياسية بأسئلة أخلاقية مشوهة، وينظر إلى الكورد لا كأصحاب قضية، بل كظاهرة إشكالية يجب احتواؤها أو ردعها.

في هذه المرحلة، تفقد اللغة وظيفتها التفسيرية، وتكتسب وظيفة أخرى أخطر: إعادة ترتيب الحسّ الأخلاقي. فحين يقدَّم الكوردي بصورة الخطر الدائم أو العنصر المزعزع، يصبح التعامل العنيف معه قابلًا للتبرير. لا يرى الفاعل نفسه معتديًا، بل متصدّيًا لتهديد. هنا، لا يلغى الإنسان صراحة، بل يفرَّغ من تعقيده، من فردانيته، من قصته، ليغدو كتلة مبهمة يسهل التعامل معها دون شعور بالذنب.

الأخطر أن من يمارس هذا الخطاب غالبًا لا يعتقد أنه يمهّد للعنف. هو يرى نفسه “يصف الواقع” بينما هو في الحقيقة يشارك في صناعته لغويًا. فحين تعجز اللغة عن أن تكون جسرًا للفهم، تتحوّل إلى ممر يفضي إلى القوة. وحين يغلق باب التعاطف بالكلمات، لا يبقى استخدام العنف قفزة مفاجئة، بل خطوة منطقية تالية.

بهذا المعنى، لا يأتي السلاح فجأة. يسبقه عمل طويل في الوعي: عمل يجعل القتل ممكنًا دون أن يسمّى جريمة، ويعيد تقديم الاعتداء بوصفه ردّ فعل، أو إجراءً وقائيًا، أو ضرورة مؤسفة. العقل هنا لا يرى نفسه يهاجم بشرًا، بل “مشكلة” أو “تهديدًا”. وهكذا يعاد ضبط الميزان الأخلاقي: ما كان غير مقبول بالأمس، يصبح اليوم مفهومًا، ثم مبررًا.

ما يميّز هذا المسار أنه لا يعتمد على صوت واحد، بل على تراكم أصوات متشابهة. الإهانة اليومية، الصورة المشوهة، الخبر المبتور، والتوصيف الجاهز، كلّها تعمل معًا على خلق مناخ عام يتقبّل استباحة الكورد، لا بوصفها عدوانًا، بل بوصفها نتيجة طبيعية لما “هم عليه” كما صُوّروا لغويًا. في هذا المناخ، لا يعود نزع الحقوق فعلًا صادمًا، لأنه سبق بنزع الشرعية، ونزع الشرعية سبق بنزع الإنسانية.

وحين تفشل القوى المسيطرة في تقديم تفسير مقنع للواقع أو أفق قابل للحياة، تلجأ إلى هذا النوع من اللغة لا لتفسير العالم، بل للسيطرة عليه رمزيًا. كلّ شتيمة، كلّ افتراء، كلّ تشويه، ليس مجرّد تعبير، بل مساهمة في إعداد ذهني يسبق العنف. الإعلام هنا لا ينقل العدوان، بل يهيئ له، بحيث يبدو لاحقًا كأنه استعادة لتوازن مختلق، لا جريمة مكتملة الأركان.

من هنا، يصبح الربط بين الكلمة والدّم أمرًا لا يمكن تجاهله. فالهجوم اللغوي ليس حدثًا معزولًا، بل بداية مسار، وكلّما طال هذا المسار، أصبح الانتقال من التشويه إلى الاستهداف أسهل وأسرع. الكلمات لا تقتل وحدها، لكنّها ترفع الحواجز التي تمنع القتل. وما يمنح شرعية في اللغة، يجد طريقه لاحقًا إلى الفعل.

بهذا الفهم، لا تعود شتيمة الكورد مجرّد إساءة، بل علامة على لحظة أخلاقية خطرة: اللحظة التي يعاد فيها تعريف جماعة كاملة بوصفها كيانًا قابلًا للاستهداف، ويقدَّم العنف ضدّها بوصفه امتدادًا طبيعيًا لكلام بدأ بسيطًا، وانتهى مدمّرًا.

مقالات ذات صلة