بداية مرحلة مجهولة غير واضحة المعالم…

ما تمرّ به إيران، اليوم، لا يشبه الثورات التي نعرفها وقرأناها في كتب التأريخ، ولا الانقلابات وموجة الاحتجاجات السابقة. بل ما يحدث هو تغيير تدريجي وعن وعي وعفوي في طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة. ولا يُقاس هذا التغيير بأعداد المتظاهرين والمحتجّين أو سرعة سقوط النظام، بل بمدى انهيار وتدمير الثقة والإيمان والمعنى والشرعية في أذهان الشعب.
اليوم، لا يُنظر إلى الدولة كعائلة واحدة مشتركة، بل كأداة للإدارة والسيطرة. ولم يعد المجتمع يرى نفسه جزءًا من مشروع سياسي شامل ومتكامل، بل كطرف منسي بلا تمثيل حقيقي يعيش في أطره.
نوع التغيير
شهدنا هذا النوع من التغيير في العديد من التجارب والأحداث والوقائع التاريخية:
ففي الاتّحاد السوفيتي، على سبيل المثال، لم ينهار النظام مع أول تظاهرة شعبية، بل عندما فقد الشعب إيمانه وثقته بالنظام.
وفي أوروبا الشرقية، سبقت أي انتفاضة شعبية اضطرابات سياسية.
وفي تشيلي، كان انهيار الرواية الأخلاقية للنظام أهمّ من فشله الأمني.
لذا، يبدأ التغيير الحقيقي دائمًا في الوعي والذاكرة، قبل أن ينعكس على السياسة.
السخط والغضب في إيران ليس مجرّد مطلب…
تمرّ إيران اليوم، بمرحلةٍ لم يعد فيها الغضب والسخط مجرّد مطلب لنيل غاية محدّدة، بل تعبيراً ينعكس مدى عمق الفجوة بين المجتمع والدولة.
لا يتظاهر الناس ويعتصمون في البلاد بسبب ارتفاع أسعار الخبز فحسب، بل أيضاً لأنّهم لم يعودوا يرون أنفسهم في ثنايا خطاب السلطة، لا في صورتها ولا في هالتها، ولا في تعريفها لما هو طبيعي وممكن. هذا هو جوهر هذه المرحلة.
حول الكورد في إيران:
هذه مرحلة غاية في الحساسية والخطورة. فقد علّمنا تاريخنا أن انهيار السلطات والحكومات المركزية لطالما حمل معنيين: فرص ومخاطر.
بعد الحرب العالمية الأولى، دفع الكورد ثمن انهيار الإمبراطورية العثمانية دون أن يمتلكوا أو يتمتّعوا بـ “دولة”.
وبعد عام 2003 في العراق، فتح سقوط الدولة في العراق الباب على مصراعيه أمام الكورد، لكنه جلب معه أيضًا اضطرابات وتعقيدات وخسائر بشرية فادحة.
الدرس واضح هنا:
التغيير لا يكافئ أحداً تلقائياً، بل يكافئ فقط من يعرفون كيف يقودون بوعي وصبر واستراتيجية.
لذلك، فإن الموقف الكوردي العقلاني اليوم لا يكمن في الضياع في الصراعات، ولا في الوقوف إلى جانب السلطة، بل في بناء موقف أخلاقي وسياسي مستقل؛ موقف يرى ويفهم ويستعد للتغيير، دون أن يقود المجتمع الكوردي إلى مواجهة مفتوحة لا يمتلك الكورد فيها أساليبها ووسائلها.
إن الاستثمار الحقيقي للكورد في هذا الوقت يتطلب تعزيز المجتمع المدني، وتطوير التقييم والتنظيم الاجتماعي السلمي، وبناء الجسور مع المكوّنات الأخرى من المجتمع الإيراني، مع الاستعداد لجميع الاحتمالات والفرص دون ربط المصير بأي منها.
لم تكن قوة الكورد التاريخية يومًا ما كامنة في العنف، بل في قدرتهم على الصمود والبقاء والوجود، وعلى تحويل الألم إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وعي، والوعي إلى مشروع طويل الأمد. هذه المرحلة تحديدًا تحتاج إلى هذا النوع من القوة.
إن الأحداث المتسارعة في إيران ليست نهاية أمرٍ بديهي، بل هي بداية حقبةٍ غامضة غير واضحة المعالم. مرحلةٌ يتغير فيها نمط السياسة من تلقاء نفسه: من صراعٍ على السلطة إلى صراعٍ على هدف ومعنى.
وكلّ من يُدرك هذا مبكرًا لن يكون ضحيةً للتاريخ، بل سيكون شريكًا في كتابته وصياغته…